ابن كثير

277

البداية والنهاية

يقتضي أن خروج الامراء إلى مؤتة كان في يوم جمعة . والله أعلم . قال ابن إسحاق : ثم مضوا حتى نزلوا معانا من أرض الشام ، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب ، من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم ، وانضم إليه من لخم وجذام والقين وبهراء وبلى مائة ألف منهم عليهم رجل من بلى ، ثم أحد أراشة يقال له مالك بن رافلة ، وفي رواية يونس عن ابن إسحاق فبلغهم أن هرقل نزل بمآب في مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة ، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم ، وقالوا : نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخبره بعدد عدونا ، فإما أن يمدنا بالرجال ، وإما أن يأمرنا بأمره ، فنمضي له ، قال : فشجع الناس عبد الله بن رواحة وقال : يا قوم ، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة ، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به ، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين ، إما ظهور وإما شهادة ، قال فقال الناس : قد والله صدق ابن رواحة ، فمضى الناس ، فقال عبد الله بن رواحة في محبسهم ذلك : جلبنا الخيل من أجأ وفرع * تعر من الحشيش لها العكوم ( 1 ) حذوناها من الصوان سبتا * أزل كأن صفحته أديم ( 2 ) أقامت ليلتين على معان * فأعقب بعد فترتها جموم ( 3 ) فرحنا والجياد مسومات * تنفس في مناخرها سموم فلا وأبي مآب لنأتينها * وإن كانت بها عرب وروم فعبأنا أعنتها فجاءت * عوابس والغبار لها يريم ( 4 ) بذي لجب كأن البيض فيه * إذا برزت قوانسها النجوم فراضية المعيشة طلقتها * أسنتنا ( 5 ) فتنكح أو تئيم قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث عن زيد بن أرقم قال : كنت يتيما لعبد الله بن رواحة في حجره ، فخرج بي في سفره ذلك مردفي على حقيبة رحله ، فوالله إنه ليسير ليلتئذ سمعته وهو ينشد أبياته هذه : إذا أدنيتني وحملت رحلي * مسيرة أربع بعد الحساء

--> ( 1 ) من ابن هشام . وفي الأصل : إلى العكوم . أجأ : أحد جبلي طيئ . فرع : موضع . قال ياقوت : أطول جبل بأجأ وأوسطه . ( 2 ) سبت : النعال التي تصنع من الجلود المدبوغة . ( 3 ) الفترة : الضعف والسكون . والجموم : اجتماع القوة والنشاط . ( 4 ) بريم : كل ما فيه لونان مختلطان فهو بريم . ( 5 ) في ابن هشام : أسنتها . تئيم : التي تبقى دون زوج ، آمت المرأة : إذا لم تتزوج .